محمد بن علي الشوكاني
2357
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
الأمر إليهم حكموا بالطاغوت ، وإن شهادتهم وأخبارهم فهم لا يعرفون المسالك الشرعية ، وكيف يعرفون أن هذا أحق بالشفعة من هذا ، وهذا قد تعدى على خصمه فيما هو مشترك بينهما من دار ، أو أرض . وهذا أقدم بالسقي من هذا ، وهذا أمسك الماء زيادة على ما جعله رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - في الزبير . وهذا معلوم ، لا ينكره أحد . ومثل هذا إذا حضر بين يدي القاضي ورثة ، وقالوا ابعث بيننا من يقسم ما تركه مورثنا على الفرائض الشرعية من دور وأراض ، فكيف يصنع القاضي في مثل هذا ؟ ! هل يفوض الأمر إلى عريف من عرفاء القرية ، فيكون قد قضى بينهم بالطاغوت البحت ؟ . أن يقول لهم هذه أراضيكم ودوركن ، احملوها إلي ، وآتوني بها حتى أقسمها بينكم ، فيكون قد جاء بما يخالف الشرع والعقل [ 2 أ ] ، بل بما شعبة من الجنون ؟ ! وهكذا لو قال للمختصين في شفعة أو شركة : احملوا هذا الذي تخاصمتم فيه إلي ، فإنه قد أمرهم بما يحكمون عليه به بالجنون . وإن قال : قد فوضت ذلك إلى العريف الفلاني من عرفاء القرية ، كان قد أمرهم بالحكم بالطاغوت المحض . فكيف يصنع هذا القاضي المسكين ؟ ! أيطردهم من عنده ؟ أم يقول لهم قد انسد في مثل حادثتكم هذه باب الشرع ، ولا أجد لكم فرجًا ، ولا مخرجًا في الشريعة السمحة السهلة ، فاذهبوا حتى يبعث الله في قريتكم عالمًا فاضلاً يقسم بينكم ، ويقضي في أموركم من شفعة وشركة ، وإجارة وغير ذلك ؟ ! ! . وكيف يسوغ مثل هذا في دين الله ؟ ! وهل يقول به قائل من المسلمين [ 2 ب ] ؟ فإن قال : إن البعث للأمناء لمثل هذه الأمور التي ذكرناها جائز ( 1 ) ، وأنها
--> ( 1 ) يجوز للقاضي اتخاذ الأعوان مع الحاجة لما ثبت في البخاري رقم ( 7155 ) من حديث أنس : « أن قيس بن سعد كان يكون بين يدي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمنزلة صاحب الشرطة للأمير » . وقد يجب عليه ذلك إذا كان لا يمكنه إنفاذ الحق ودفع الباطل إلا بهم . وعليه أن يوصي الوكلاء والأعوان على بابه بتقوى الله تعالى ، والرفق بالخصوم ، وقلة لطمع ويجتهد أن لا يكونوا إلا شيخًا أو كهولاً من أهل الدين والصيانة والعفة . انظر المغني ( 14 / 24 ) وتبصرة الحكام ( 1 / 25 ) .